الراغب الأصفهاني
76
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
الخيزران فكرّ راجعا وقال : وا سوأتاه من حسنة فإني واللّه أصابني كما أصاب من يقول : بينما نحن بالبلاكث فالقا * ع شراعا والعيس تهوي هويّا « 1 » خطرت خطرة على القلب من ذكراك * وهنا فما استطعت مضيّا قلت لبيك إذ دعاني يد الشو * ق وللحاديين كرّا المطيّا « 2 » الشوق بعد الارتحال كان لأعرابي مملوك فاشتراه عراقيّ فلما ارتحل به بكى وأنشد : أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلة * فكيف إذا سار المطيّ بنا عشرا أخوكم ومولاكم وصاحب سركم * ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا فقال له المشتري الحق بأهلك . وقال المتنبّي : أرى أسفا وما سرنا قليلا * فكيف إذا غدا السير ابتراكا « 3 » فهذا الشوق قبل البين سيف * وها أنا ما ضربت وقد أحاكا « 4 » قال أشجع : فها أنت تبكي وهم جيرة * فكيف تكون إذا ودّعوا قال أبو فراس : حملت هواك لا جلدا ولكن * صبرت على اختيارك واضطراري المفارقة كرها قال الماني : لا تنكرنّ رحيلي عنك في عجل * فإنّني لرحيل غير مختار وربّما فارق الإنسان مهجته * يوم الوغا غير قال خيفة العار كراهة فراق من صحبته كرها قال شاعر : أقمنا كارهين لها فلمّا * ألفناها خرجنا مكرهينا وما شعف البلاد بنا ولكن * أمرّ العيش فرقة من هوينا « 5 » خرجت أقرّ ما قد كنت عينا * وخلّفت الفؤاد بها رهينا
--> ( 1 ) بلاكث : موضعان واحد بين المرّ وشبكة الروم فوق خيبر ، وآخر أو بلاكث الثانية بين غزة ومدين ، وكلاهما على طريق مصر . ( 2 ) لبّيك : أي البابا بك وإقامة على طاعتك - الحاديان : مثنى الحادي وهو سائق الإبل . ( 3 ) غدا السير ابتراكا : أي غدا ذا سرعة . ( 4 ) أحاك : أثّر . ( 5 ) شعف البلاد بنا : ارتفع حبّها إلى أعلى مراتبه - أمرّ العيش : أكثره مرارة .